ابن فرحون
24
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
من النقصان ، وهذه واللّه أعلم ، نزعة صوفية لا علمية ولا عملية ، كذلك كل من رأيته بحث في هذه المسألة لا يصوب الانخفاض إلا لمعنى ليس من الشريعة ، وما أقرب قولهم إلى قلوب العامة وضعفة الفقهاء ، وأسرعه إليها ! ! إذ يقال : ما يدنيني من محل كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يصلي فيه ويجلس عليه ، ويمس جبهته ويديه أحق بأن أمرغ وجهي عليه ، وأملأ محاجري من تراب قدميه ، وهذا حق وكلنا نقول به ونحبه ، ولكن الخير كله في اتباع سنته ، وما أمر به ، وما حض عليه ، وهو صلى اللّه عليه وسلم لم يكن موقفه من المأموم أخفض ولا أعلى ، بل كان هو وأصحابه في الموقف سواء ، فمن خالف سنته بالهوى فقد غوى ، بل التمادي في المكروهات والبدع الموضوعات يعظمها ويصيرها كبائر ، فمن قدر على التغيير والإزالة فلم يفعل ؛ يخاف عليه أن عمله لا يقبل ، وأن اللّه تعالى عن ذلك منه يسأل ، ثم إن القيام في ذلك صار جانبا عن هذه المعاني ، بل داخله حفظ النفس والتعصب في صورة التعبد والتقرب - أعاذنا اللّه من حظوظ أنفسنا ، وهدانا لما فيه صلاح ديننا ، وألف بين قلوبنا ، برحمته وكرمه ! ! [ كلام المولف حول كتابة المصحف الشريف في قبلة المسجد وما يترتب على ذلك ] ثم مع ما في المقام الشريف من الكراهة في الانخفاض أضف إليه كتابة القرآن العزيز في قبلة الإمام والمأموم ، ولا خلاف بين الناس في كراهة هذا حتى قيل ببطلان صلاة من قرأه واشتغل به مع التزويق العظيم والتذهيب الأنيق الذي يشغل المصلي ، ولو كان بالولاية متحليا ، ألا ترى كيف ردّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخميصة لما خاف أن يشغله علمها في الصلاة ؟ وقال : « ردوا هذه الخميصة على أبي الجهم ، وائتوني بأنبجانية أبي الجهم فإن علمها كاد يفتني في صلاتي » . وهذا إنما هو تعليم للأمة وتحذير لهم من أن يكون مثل هذا في الجملة من